يشهد الاقتصاد العراقي مرحلة حرجة في مساره المالي، تتسم بتداخل عوامل داخلية وخارجية، باتت تهدد استقراره واستدامة نموه في الفترة المقبلة، وسط ارتفاع في النفقات العامة وتوسع الالتزامات المالية مقابل تذبذب شديد في أسعار النفط العالمية، في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني.ومع استمرار الصراع تزداد التساؤلات، حول الموازنة العامة لهذا العام، وعن شكلها ومدى قدرة الدولة على إدارة مواردها النفطية المحدودة، وضمان استمرارية تقديم الخدمات الأساسية وحماية المستوى المعيشي لملايين المواطنين. في ظل هذا المشهد المعقد، يرى الباحث في الشأن الاقتصادي نبيل التميمي، أن هيكلية إعداد الموازنة العامة في العراق باتت رهينة انجاز الاستحقاقات. الدستورية بعد التوافقات السياسية وتوقيت تشكيل الحكومة القادمة وقال أن المرحلة المقبلة تفرض تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة القانون المالي المرتقب: هل ستمضي البلاد نحو موازنة تقليدية تكرس النمط الاستهلاكي الحالي، أم ستُجبر على تبني موازنة أزمة استثنائية لمواجهة التحديات المتفاقمة؟وبحسب رؤية التميمي، فإن الذهاب نحو موازنة الأزمة سيفرض إجراءات تقشفية قاسية تشمل خفض الإنفاق العام بنسب تتراوح بين 40-50 في المائة. ورغم هذه الضغوط، أكد أن بند الرواتب سيظل الأولوية القصوى التي ستحاول الحكومة تحصينها، حتى لو اضطرت للبحث عن مصادر تمويل بديلة ومكلفة، مثل الاستدانة من البنك المركزي أو التوسع في الاقتراض الداخلي والخارجي لتغطية العجز التمويلي.وحذر الباحث من أن التحدي الاخطر والأكبر لا يتوقف عند السيولة المالية فحسب، إذ يمتد ليشمل شح السلع الأساسية في الأسواق، واحتمالية انفلات معدلات التضخم في حال استمرار الأزمات العالمية، محملاً ‘‘الإخفاق الهيكلي‘‘ في تنويع مصادر الدخل القومي والارتهان الكلي للنفط مسؤولية تفاقم الوضع الحالي.ورسم التميمي صورة قاتمة لتبعات الفشل في إدارة الأزمة، محذراً من أن العجز عن تأمين الرواتب أو كبح التضخم سيؤدي حتماً إلى تآكل حاد في القدرة الشرائية للمواطنين. وأشار إلى أن هذا التدهور المعيشي قد يشكل شرارة لاضطرابات اجتماعية واسعة النطاق، قد لا تتوقف عند المطالب الاقتصادية، وقد تمتد آثارها لتهدد ركائز النظام السياسي برمته.واختتم التميمي حديثه بالتشديد على أن معالجة هذه الأزمة المركبة لا تحتمل التأجيل، وتتطلب قرارات جريئة وإصلاحات اقتصادية حقيقية تتجاوز الحلول الترقيعية، وذلك لتفادي الوصول إلى نقطة اللاعودة التي قد تعصف بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.
موازنة 2026 امام تحديات كبيرة.. هل ينجح صانع القرار في حماية الرواتب والخدمات الأساسية ؟