خلف الدخان الأبيض.. كيف تُصنع القرارات العسكرية؟

بعد انجلاء دخان المعارك وهدوء الأزمات الأمنية الطارئة، لا يرى الرأي العام عادةً إلا اللقطة الأخيرة: خطة نفذت بنجاح، هدف حُسم بدقة، أو بيانٌ رسمي يُعلن انتهاء خطة حمايةٍ بعينها. غير أن السؤال الذي يتردد غالباً في أذهان الباحثين ويبحث في ما وراء الخبر هو: كيف تُطبخ هذه القرارات المصيرية بعيداً عنالكاميرات؟.

وكيف تحولت المؤسسة العسكرية من منطق (الأوامر الفردية) إلى صناعة القرار المستند إلى العلم والتكنولوجيا؟.

لنفكك الامر معا، ففي المفهوم العسكري الحديث، لم يعد القرار وليد انطباع شخصي أو تقييم متعجل لغرفة عمليات معزولة. إن ما يُعرف بـ (التنسيق المشترك) بات هو العصب الحيوي والركيزة الأساسية لصنع القرار الأمني في عراقاليوم.

تتلاشى داخل مراكز القيادة والسيطرة، الفواصل التنظيمية بين صنوف القوات المسلحة، والأجهزة الاستخبارية، والجهد الأمني عالي الدقة، لتتحول هذه القطعات المتباينة إلى جسد واحد يعمل وفق التوقيت والمفهومذاتهما.

المعلومة التي ترصدها الخلية الاستخبارية تتحول في أجزاء من الثانية إلى هدف يتعامل معه القائد الميداني، بينما تُؤمن التشكيلات الأخرى الظهير اللوجستي والسيطرة علىالأرض.

لكن الميزة الفاصلة في إدارة العمليات المعاصرة تتمثل في إقحام التكنولوجيا المتطورة وروافد الذكاء الاصطناعي في صلب صناعةالقرار.

لقد ولّى زمن التعامل مع الخرائط الورقية والتقديرات الظنية، والاجتهادات الشخصية، والتخمينات، فاليوم تُحلل البيانات الضخمة التي تجمعها الطائرات المسيرة، وحساسات الرصد الميداني، والتتبع السيبراني، والكاميرات الحرارية، عبر خوارزميات معقدة تقرأ التحركات الميدانية وتقيّم المخاطر بدقة متناهية قبل أن يخط أي قائد بقلمه حرفاً واحداً في كتابالأوامر.

إن إدخال التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي وتطوير القادة والضباط والمراتب، واعتيادهم على استخدام التقنيات الرقمية، لا يلغي الدور الإنساني للمقاتل أو الشجاعة الميدانية للآمر، بل يمنح القيادة القدرة على استباق الخطر وتقليل الخسائر إلى حدها الأدنى.

القرار العسكري المعاصر يُحسب بميزان الذهب: كيف نحقق الهدف الأمني الحاسم، ونقطع دابر الإرهاب، دون أن نمس بحياة مواطن مدني واحد أو نضر بالبنى التحتية للمدينة، أو نربك الشارع والوضع العام.

إن الرسالة التي نضعها اليوم أمام مواطنينا هي أن خلف كل بيان تسمعونه، أو خطة أمنية تشهدون انسيابيتها في الشارع، منظومةً متكاملة من العقول التي لا يستهان بها، والتنسيق المؤسسي، والتقنيات العالية التي تعمل على مدار الساعة.

لا يوجد لدينا مكان للصدفة في عقيدتنا، فصناعة الأمن عمل مؤسسي رصين يرتكز على التنسيق العالي والعلم الحديث، لتظل قراراتنا صائبة، وحاسمة، وحاميةً لتراب هذا الوطن.