عندما يُذكر اسم حلبجة، تستحضر الذاكرة فوراً واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ المعاصر، حين تعرضت المدينة للقصف بالأسلحة الكيمياوية عام 1988، فاستشهد الآلاف من المدنيين الأبرياء وأصيب آلاف آخرون. كانت جريمة استهدفت أناساً بسطاء لم يكن ذنبهم سوى أنهم وجدوا أنفسهم ضحايا لنظام استبدادي لم يتردد في استخدام أقسى وسائل القتل والإبادة ضد مخالفيه.
وعلى الرغم من حجم المأساة التي عاشتها حلبجة، فإن أبناءها لم يسمحوا للجراح أن تنتزع منهم قيمهم الإنسانية. وقد تجسد ذلك بوضوح في الموقف النبيل الذي أبداه أهالي المدينة تجاه مأساة الطفلة العراقية رقية من كربلاء، التي غرقت في أحد مصايف حلبجة. فقد هبّ أبناء المدينة بكل مشاعر التعاطف والمسؤولية، مقدمين نموذجاً راقياً لمعنى الأخوة الإنسانية التي تتجاوز الانتماءات والاختلافات.
إن هذا الموقف ليس غريباً على مدينة عرفت معنى الألم والفقدان. فمن ذاق مرارة المأساة يدرك أكثر من غيره قيمة التضامن مع الآخرين. ولهذا لم ينظر أهالي حلبجة إلى الطفلة وأسرتها إلا بعين الإنسانية والمحبة، مؤكدين أن الروابط التي تجمع العراقيين أقوى من كل محاولات الفرقة.
ومن هنا، فإن مأساة الطفلة رقية تحمل رسالة مهمة إلى أولئك، الذين يسعون إلى إثارة الفتن بين العرب والكرد أو نشر الاتهامات والأحكام المسبقة. فالحادثة أظهرت أن قيم التآخي والتراحم ما زالت حية في وجدان أبناء هذا الوطن، وأن الإنسانية قادرة دائماً على الانتصار على خطابات الكراهية والانقسام.
لقد قدمت حلبجة مرة أخرى درساً بليغاً؛ فكما أصبحت رمزاً للمظلومية والصبر، أثبتت كذلك أنها رمز للإنسانية والأخوة، وأن مستقبل العراق لا يمكن أن يُبنى إلا على الاحترام المتبادل والمحبة والتضامن بين جميع أبنائه.